ورشة عمل "التعليم يبدأ في الأسرة"
أُقيمت ورشتنا بعنوان "التعليم يبدأ في الأسرة" في مقر اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي (İDSB)، بمشاركة ممثلين متخصصين من منظمات المجتمع المدني والجامعات.
تم تنظيم ورشة عمل بعنوان "التعليم يبدأ في الأسرة" في مقر اتحاد المنظمات الأهلية في العالم الإسلامي (İDSB)، بمشاركة ممثلين خبراء ومختصين من منظمات المجتمع المدني. وشهدت الورشة حضوراً ونشاطاً نوعياً من مختلف الجامعات والمنظمات غير الحكومية. بدأت الورشة في الساعة 10:00 صباحاً واستمرت على مدار اليوم حتى الساعة 18:00 مساءً، واختُتمت بتشكيل فرق عمل متخصصة لإعداد تقارير تفصيلية حول المحاور الفرعية.
تجدون أدناه بعض الآراء والأفكار التي تم طرحها خلال الورشة، على أن يتم تقديم التقرير الشامل لاحقاً.
في الجلسة الصباحية، ناقش الخبراء محور إعادة تعريف الأسرة وأهمية التعليم. وفيما يلي أبرز الآراء والأفكار المطروحة في هذا السياق:
تشكل العادات الخاطئة عائقاً كبيراً أمام المجتمع. وقد ورد في الحديث الشريف ما معناه: أنه يُقال لبعض الناس "اتركوا هذه البدعة"، فيصيحون: "يا للأسف، يريدون منا ترك السنة!"
"درء المفاسد أولى من جلب المنافع"؛ أي إن القضاء على المفاسد والشرور يسبق تحصيل المصالح والمنافع.
يجب التعامل مع قضية التعليم ضمن إطار تماسك الأسرة وبنيتها الشاملة. ينبغي لنا مراجعة مفهومنا للزواج؛ إذ لا يكفي مجرد توفير المكان والإمكانيات المادية، بل يجب تقديم التأهيل والتعليم اللازمين. كما يجب تقديم التوعية والتعليم الزوجي للمقبلين على الزواج لما يُلاحظ من نقص وأخطاء جسيمة.
تُعد توجهات وسلوكيات الوالدين ذات أهمية بالغة في تربية الطفل. والتعليم القائم على الحب والود مقدم على التخويف. ولإيصال الفرد إلى سعادة الدارين (الدنيا والآخرة)، ينبغي الالتزام بالمبادئ الدينية والأخلاقية.
نظراً للإقبال الكثيف على متابعة المسلسلات التلفزيونية، يُوصى بإعداد مسلسلات موجهة تعزز القيم الأسرية.
ينتج الأكاديميون بحوثاً ورسائل، إلا أن الجانب التطبيقي لا يقل أهمية؛ لذا يجب إعداد منشورات مبسطة وموجزة يفهمها عامة الناس. كما إن حقوق الأخوة تقتضي إظهار النقص بصدق وتوجيه الآخرين نحو الصواب.
ينبغي على الآباء والأمهات بذل المزيد من الجهد لتزويج أبنائهم وبناتهم، كما يكتسب إعادة تزويج المطلقين في سن مبكرة أهمية بالغة. إن الأسرة المقتصرة على الأب والأم والطفل تُعد أسرة معزولة جداً؛ ليس فقط من قِبل الأقارب بل وحتى من قِبل الجيران. وتنشئة الأطفال في مثل هذه الأسرة المنعزلة تشكل تحدياً كبيراً. يجب أن تتسع الدائرة الاجتماعية تدريجياً، ولا بد أن تضم هذه الدوائر شخصيات حكيمة لتكون قدوة للأطفال. إن تواصل الطفل مع أقاربه كبار السن أمر في غاية الأهمية، وهذا هو أبرز ما يميزنا عن الغرب؛ لذا ينبغي التأكيد على أدوار الجد والجدة والعم والخالة والعمة في مختلف المنصات.
تتزايد ظاهرة زواج المثليين عالمياً، وبات الشباب ينظرون إلى الزواج بمنظور مختلف. لن يكون أبناؤنا وبناتنا كما كنا نحن؛ فكثير من الآباء يعيشون في عالم من الخيال ويتأخرون عن استيعاب الواقع. يجب على العلماء والأكاديميين تقديم معالجات ودراسات حول هذه القضايا. نحن لا نفسر القرآن بما يتناسب مع متطلبات عصرنا؛ يُسلط الضوء على شخصية السيدة خديجة (رضي الله عنها)، بينما يُغفل نموذج الأبوة لدى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) والإمام علي (رضي الله عنه). إن القرآن كتاب يحيي القلوب والأرواح التي يلامسها، لكننا لا نستفيد منه بالشكل الكافي. يمكننا إنتاج وثائقيات تبيّن المآسي الحياتية والآثار المدمرة لعمليات تغيير الجنس. ومن ناحية أخرى، فإن التشريعات الصادرة لصالح المرأة العاملة في تركيا قد تفوقت على التعديلات الموجودة في أوروبا.
يجب إعادة طرح مفهوم "القوامة" في أجندتنا؛ حيث ينبغي للرجل تحمل مسؤولية القيادة والرعاية. فوفقاً لعقيدتنا، تقع مسؤولية التربية والتعليم بالدرجة الأولى على عاتق الرجل، لكن إلقاء الحمل كاملاً على المرأة أدى إلى مشاكل وركم الأعباء عليها مما يسبب لها الضغوط النفسية. وقد قمت بدراسة مكانة المرأة وفقاً للكتب السماوية الأربعة.
للعولمة آثار بالغة العمق على الأسرة والفرد. وتتفاوت تصورات الذات بشكل حاد بين الأجيال؛ فنحن أمام جيل جديد يتسم بالنرجسية والانطواء الاجتماعي، وتواصل لا يتجاوز بضع دقائق. باتت التكنولوجيا تنظم الأسرة عبر أفراد معزولين. إننا نناقش أزمة صامتة قد تؤدي إلى فقدان مفهوم الأسرة في المستقبل القريب؛ إذ يُنظر إلى الوالدين كعبء. كما إن عودة الآباء إلى المنازل وهم مجهدون ذهنياً تُحدث فراغاً عاطفياً. وعندما يعجز الوالدان عن إنتاج قيمة ومعنى داخل البيت، يقتصر تركيزهما على النجاح الأكاديمي للأبناء فقط. مفهوم القوامة محوري، إلا أن مفهوم "رئاسة الأسرة" يُقابل بسخرية في بعض الأوساط.
ينبغي أن نتحدث عن تأهيل وتثقيف الوالدين قبل الحديث عن الطفل؛ إذ نعيش في أسرة يتسيدها الطفل وتتمركز حوله، مما يجعله في مقدمة الأسرة على حساب استقرارها. يجب العودة إلى نموذج الأسرة المتمركزة حول الوالدين. ومما يزيد التشتت أن الخبراء يلقون باللوم دائماً على الأبوين. التركيز المفرط على تنمية الذكاء والأنشطة الذهنية يمنح الطفل متعة مؤقتة بينما تُهمل العواطف. أنا أعمل على كتاب حول "متعة الذكاء"، إذ إننا نواجه أفراداً تم اختزالهم في المؤشرات الذهنية فقط.
إذا استطعنا أن نكون قدوة حسنة، فسنكون قد قدمنا لأبنائنا أفضل تعليم وبدأنا نقطة التحول الحقيقية. النساء لديهن شغف كبير بالتعلم، إلا أن الرجال يعانون من نقص في التأهيل مما يمنعهم من أن يكونوا قدوة، ولهذا يجب التركيز على تعليم وتأهيل الرجال. فتياتنا متعلمات بشكل جيد، بينما نجد صعوبة في إيجاد شباب كفؤ لهن. في إحدى برامجنا التدريبية، شاركت 800 فتاة مقابل 250 شاباً فقط. إن ترك قيادة المنزل للرجل يريح المرأة من الأعباء المفرطة.
تنشأ المفاهيم ضمن ثقافات محددة، وعند نقلها خارج بيئتها تفقد معناها. هناك تعليم طبيعي يحدث داخل الأسرة الممتدة والتعليم النظامي والغير نظامي. نحن نعترف بالتغيرات العصرية، إلا أن الهندسة المعمارية الحديثة لم تعد تخصص مكاناً لكبار السن (حيث تحولت المنازل من 3+1 إلى 1+1). ارتفع متوسط سن الزواج إلى الثلاثين، ويجب تشجيع زواج الشباب. ينبغي تطوير مشاريع موجهة لمدارس الأئمة والخطباء ومشاريع تأهيلية نوعية للزواج، بدلاً من استيراد كل مفهوم وتطبيقه عمياء من الغرب.
أُؤكد على نقطتين رئيسيتين: إن تفتت الأسرة وتقلص حجمها وانتقال وظائفها البيولوجية والنفسية والاجتماعية إلى مؤسسات خارجية قد أضعف دورها البوتقي الفريد. إن بناء شخصية متوازنة لا يتم إلا داخل بوتقة أسرية متماسكة. يجب اتخاذ مواقف حكيمة ضد الهجمات التي تستهدف الأسرة، وتعزيز التربية الشخصية المستمرة طوال الحياة لجميع أفراد الأسرة وليس للأطفال فحسب، نظراً لتغير الأدوار والمسؤوليات عبر المراحل العمرية.
تُشير البيانات إلى أن 96.7% من حالات الزواج في تركيا تتم بعقود شرعية وقانونية، وتعتبر الأسرة أقوى مؤسسة في البلاد. إلا أن التداخل مع النمط الغربي يشكل تهديداً لها. الأسرة مؤسسة تشكلت بالدين، وتفاصيل آيات النكاح في القرآن تؤكد أهميتها العالمية والأساسية.
المشكلة الأساسية هي أن الثقافة الحديثة فككت الهيكل التقليدي والتسلسل الهرمي. لقد تناول العصر الحديث الطفل والمرأة والرجل كأجزاء منفصلة، ونحن نحاول توحيدهم عبر مفاهيم غربية نُشأت أصلاً في صراع ضد الدين والكنيسة (مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان بالمفهوم الفردي). يجب أن نعود إلى مفاهيمنا الأصيلة؛ وإلا فسنواجه ذات المصير الذي يعانيه الغرب. بات البعض يتحرج من مصطلح "الزنا" ويستعيض عنه بـ "العلاقة غير الشرعية"، ويفسرون "الطاعة" على أنها عبودية. لقد أرهق عبء العمل الحديث الآباء والأمهات وحوّل البيوت إلى مجرد فنادق، مما يستدعي تنقية عقولنا من شوائب المفاهيم الحديثة.
في الجلسة المسائية، تم تناول محور بداية التعليم واستمراره وديناميكياته في الأسرة بالتفصيل. وفيما يلي أبرز الآراء المطروحة:
ينبغي إدراك قدسية عقد الزواج، وضرورة البدء بالتربية قبل الزواج، مع العلم أن تربية الطفل تبدأ منذ المرحلة الجنينية.
تؤثر توجهات الأسرة وأسلوب التربية على حياة الفرد بأكملها. ينبغي أن ندعم أبناءنا باستمرار دون فرض الوصاية المطلقة عليهم، مع الإدراك بأن الإنسان يتطور ويتغير عبر الزمن.
نعيش في ظل عقلية منفصلة عن الوحي الإلهي. لقد تسبب سقوط الدولة العثمانية ومحاولات التغريب في صدمة تاريخية كبرى، تلتها صدمات أخرى مثل محاولة 15 تموز/يوليو. ينبغي معالجة هذه الصدمات، فالتربية التي تستبعد الوحي وتعتمد فقط على العقل والحواس الخمس تربية قاصرة وخاطئة.
يجب التأمل في نتائج البذور المغروسة القائمة على الوحي ومدى تأثيرها؛ فتدريب الألاف دون تخريج قادة مؤاثرين يشير إلى وجود خلل بنيوي. يجب التركيز على أعمال صادقة وموجهة نحو النتائج الملموسة. للإعلام تأثير عميق جداً؛ ففيلم سينمائي واحد أو مسلسل قد يترك أثراً أفعل من سنوات من المحاضرات النظرية.
يُوصى بإقرار دورات تأهيلية إجبارية للمقبلين على الزواج كما هو الحال في ماليزيا، إذ لا يمكن لجهود بعض المنظمات الأهلية وحدها تلبية هذا الاحتياج الوطني. كما يجب أن تصبح توعية المرأة الحامل سياسة حكومية، مع المطالبة بإدراج هذه المفاهيم في المناهج الدراسية وتوفير حضانات في أماكن العمل والمدارس.
ينبغي تنشئة الطفل عبر تربية مشتركة بين الأبوين. العلاقة في التربية علاقة أفترادية (أفقية) وليست رأسيّة، وتتوزع المسؤوليات حسب القدرات والمهارات. الرحمة ليست حكراً على المرأة، كما إن الشجاعة ليست حكراً على الرجال. يجب السعي لإدراج برامج التربية الأسرية في المناهج التعليمية، والتأكد التام من الأخبار قبل تداولها على منصات التواصل الاجتماعي تجنباً للفتن.
"الأم مدرسة، إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق"؛ الأم هي المعلم الأول لكبار العلماء والمفكرين.
هناك خصائص وهرمونات أنثوية فريدة تمنح الأمومة معناها. الأشخاص المحرومون من العاطفة والمحبة ينتهون إلى النرجسية والتحدي المجتمعي؛ وكما كُتب على أحد الجدران: "لو كان هناك من يحبني، هل كنت لأصبح مشاكساً؟".
إلى جانب معرفة الله، يجب تدريس "فهم الطبيعة البشرية" كمادة أساسية. فمن لا يفهم ذاته في ضوء الوحي لا يستطيع استيعاب التكاليف الإلهية. من أنا؟ وما هي خصائصی؟ وكيف يعرفني الله والقرآن؟ هذه هي الخطوة الأولى واللبنة الأساسية.
ينبغي تحويل التربية الأسرية الطبيعية (التربية الأناضولية الأصيلة) إلى مشاريع عمل؛ فالتفكير بأسلوب إسلامي والعيش وفق نمط غربي لا يحقق حق اليقين. ينبغي أن نطبق ما نقوله ونكون قدوة قبل توجيه الآخرين.
عبر تاريخ البشرية، تؤدي الأسرة وظائف متعددة كالتناسل، وتلبية الاحتياجات الاقتصادية، وتوفير الأمان، وبيئة الحب والرحمة، إضافة إلى الوظيفة المحورية المتمثلة في التخطيط لتربية الأطفال وغرس القيم الدينية والأخلاقية. تُعد البوتقة الأسرية التي يتعلم فيها الطفل اللغة والقيم الاجتماعية مؤسسة لا بديل لها في بناء الشخصية والتكيف الاجتماعي.
رغم انتقال معظم الأنشطة التعليمية إلى المؤسسات الرسمية، تظل "التربية الأسرية" موروثاً أصيلاً لا بديل له. وتزداد أهمية الأسرة في الحياة المعاصرة حيث نرى الكثير من الأفراد المتعلمين تقنياً ولكنهم يفتقرون إلى التربية الأسرية والأخلاقية.
يجب علينا تحديث المفاهيم والنظريات التي أنتجتها الحضارة الإسلامية وإعادة تقديمها للإنسانية. فعلى سبيل المثال، بدلاً من استخدام المصطلحات الحديثة المبتذلة، ينبغي استخدام مفاهيمنا العميقة الأصيلة مثل "التعليم والتربية، والتحصيل، والتدريس".


